محمد بن جرير الطبري

501

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

خارجًا مخرج الخبر عن الجميع ، كان غيرَ جائز أن يكون ما رُوي في تأويل ذلك عن ابن عباس - ومن قال بقوله : من أن ذلك خبر عن كتمان إبليس الكبْرَ والمعصية - صحيحًا ، فقد ظن غير الصواب . وذلك أنّ من شأن العرب ، إذا أخبرتْ خبرًا عن بعض جماعة بغير تسمية شخص بعينه ، أن تخرج الخبر عنه مخرج الخبر عن جميعهم ، وذلك كقولهم : " قُتل الجيش وهُزموا " ، وإنما قتل الواحد أو البعض منهم ، وهزم الواحد أو البعض . فتخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم ، كما قال جل ثناؤه : ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) [ سورة الحجرات : 4 ] ، ذُكر أن الذي نادَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية فيه - كان رجلا من جماعة بني تميم ، كانوا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأخرج الخبر عنه مُخرج الخبر عن الجماعة . فكذلك قوله : " وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " ، أخرج الخبر مُخرج الخبر عن الجميع ، والمراد به الواحد منهم . * * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( 34 ) } قال أبو جعفر : أمّا قوله : " وإذ قلنا " فمعطوف على قوله : " وإذ قال ربّك للملائكة " ، كأنه قال جل ذكره لليهود - الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل ، معددًا عليهم نعَمه ، ومذكِّرهم آلاءه ، على نحو الذي وصفنا فيما مضى قبل - : اذكروا فعلي بكم إذ أنعمت عليكم .